الشيخ أحمد بن علي البوني

498

شمس المعارف الكبرى

معنى باطن بحقيقة مع حقائق الإيمان الواردة عليه في كل نفس من أنفاس وقته ، فإذا رأى ذلك علم أنه قد صح له التوكل ، ولا يكون ذلك للقلب إلا بدوام الذكر والتزام الصدق ، ثم يليه على الإيمان الثاني ، أعني إيمان الأعمال الذي وقعت المعرفة عليه من الأفعال لأن اللّه جعل عليه دلالة يعرف بها قال تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ فهذه دلالة يعرف بها وجود الإيمان ، وهي بمعنى الفطرة الأولى التي هي معرفة العارف من حيث اختصاص الحق ، وما اختص بيد عنايته في باطنها من حمل الأمانة التي عظمت ومنها حديث النبي عليه السّلام : « إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تبلغ نفس أجلها حتى تستوفي رزقها » والمتخلق بهذا الاسم يلزم التقوى المعنوية والانقطاع إلى اللّه تعالى ، وقال العلماء في باب التوكل أشياء كثيرة ، وهو من أذكار الأولياء والسادة المحققين ، وله خلوة ويتصرف في كل ما تتصرف فيه الجلالة ، فإن عددها كعدده ، وتلاوته دبر كل صلاة عدده في خلوة ورياضة ، فإنه ينزل عليه خادمه كهيال ، فينال الذاكر قبول التوكل والأمر الكلي في الظاهر ، وتحصل له معارف كثيرة . وأما الذكر القائم به فتقول : بسم اللّه الرحمن الرحيم . اللهم أنت الوكيل ، الحافظ لما أوجدت في تفاصيل الجبروت وفي عالم الملك وخزائن الملكوت ، المتصرف في عالم العرش والكرسي ، وأسرار العوالم العلوية أسألك أن تشهدني مقام التوكل وأشهدني ذلك في أموري من عالم العرش والكرسي وأسرار العوالم العلوية إلى عوالم البهموت ، وأن تحقق توكلي عليك واعتمادي لديك لأكون بتوكلي عليك مستورا بسترك الوافي ، ملحوظا بأسمائك الحسنى وصفاتك الأسنى يا اللّه يا وكيل يا رب العالمين . فصل في اسمه تعالى القوي اعلم أن القوي هو صاحب القوة التامة والمبالغة الكاملة ، واعلم أن القوة والقدرة صفتان لموصوف بهما قال اللّه تعالى وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً . واعلم أن اللّه لما أوجد الأشياء للسر الذي أراد ، والحكمة التي قدرها ، والمشيئة التي أرادها من حيث وجودهم ، فمنّ عليهم بقوة الهيبة ومزجهم بها فقروا على توحيده وحمل أمانته ثم خلق العرش وعظمته وعلوّ مرتبته وجلالته وقدره ، وتجلى عليه بعظمته وجلالته وأمره بتوحيده ، فاهتز العرش لهيبته إلى أن أفاض عليه من القوى الإلهية ما قوي به على توحيد الحق ، فهو يسبح اللّه ، ثم أخذ الكرسي وعظمته واتساع أرجائه وتجلّى له بعظمته ورهبته ، فاضطربت وهانت صور الموجودات في باطنه إلى أن أظهر عليه من اسمه القوي قوة قوي بها على توحيد اللّه ، ثم خلق القلم وأمره بتوحيده ، وأفاض عليه من قوته ما قوي به على توحيده ، ثم خلق اللوح وأمره بتوحيده بعد أن أظهر عليه ، ثم خلق السماوات والأرض وأمرهم بتوحيده ، فلم تطق أن توحده بل هامت في بحار الهيمان إلى أن وهبها نورا من أنوار قوته فوحدته ، وكذلك النفس والأجسام ، وكذلك السماوات أن ترفع بغير عمد ، والأرض أن تبسط وتستقر على متن الماء فيحدث الموات ، والمستويات والأرضين من عظم ملكوته ، فردد فيهم قوة إلهية ، فحملت السماوات